الصفحة الرئيسية » هذه المقالة تحت قسم اقلام حرة
إيمازيغن بعد 100 سنة على الحماية

ياسين عمران
لقد مرت 100 سنة على توقيع معاهدة الحماية و تداعياتها السياسية و العسكرية و الثقافية على المغرب، و إنعكاساتها المستقبلية على الهوية الوطنية الأمازيغية ، و في ظل إنهيار كل الأطروحات الإديولوجية سليلة الإستعمار ، يبقى من الضروري ، الغوص في أعماق التاريخ لإستحضار الذاكرة الوطنية بأفراحها و أتراحها لفهم الماضي و إستحضار الحاضر و إستشراف المستقبل ، و بالتالي لابد من العودة إلى جذور التاريخ .
فالمغرب بإعتباره بلدا إفريقيا منفتحا على حوض البحر الأبيض المتوسط و مطلا على أروبا ، فشكل منذ فجر التاريخ هدفا للأطماع الإستعمارية ، ومع ظهور الإمبريالية الأروبية في القرن التاسع عشر شكل المغرب هدفا للأطماع الإستعمارية التوسعية و لتستغل فرنسا إنهزام المغرب في معركة إيسلي على الحدود الجزائرية و إنهزامه أيضا أمام إسبانيا في تطوان في منتصف القرن التاسع عشر ، هاته الإنهزامات العسكرية للمغرب أنهت مقولة الإستثناء المغربي و شجعت الدول الإمبريالية الضغط على المغرب من أجل تركيعه و فرضت عليه شروطا و معاهدات تفضي إلى التغلغل داخل المغرب و إستنزاف خيراته و خلق نخب عدة عميلة للإستعمار ، عرفت في التاريخ الوطني بالمحميين ، هاته الإستراتيجية الخطيرة ، إستنفرت القبائل الأمازيغية فإنطلقت المقاومة الوطنية لمجابهة المشروع الإستعماري فإنتفضت قبائل الريف بزعامة محمد أمزيان لإجهاض محاولات إسبانيا الإستعمارية للتوسع في الريف و إستغلال مناجه فحقق أمزيان إنتصارات كثيرة على المحتل الإسباني أهمها معركة إغزار ن أشن نواحي أيث نصار بالناظور ، إلا أن إسبانيا إستطاعت أن تقضي على مقاومته و ليستشهد في ساحة الوغى في سنة 1912 .
و مباشرة بعد إستشهاد الزعيم الوطني محمد أمزيان ، سارعت فرنسا بمعية عملائها على الضغط على سلطان مراكش ، فقام السلطان عبد الحفيظ بتوقيع معاهدة الحماية بفاس سنة 1912 ، حيث خولت لفرنسا إحتلال المنطقة الوسطى للمغرب ، ووقع السلطان أيضا معاهدة مدريد مع إسبانيا سنة 1912 و التي نصت على إحتلال الريف و أيت باعمران . و بعد توقيع معاهدة الحماية ، سارعت فرنسا بحماس كبير إلى تطبيق السياسة البربرية التي إتخذت منحى خطيرا ، حيث أصدرت فرنسا قانونا للتحفيظ العقاري سنة 1913 و بموجبه صادرت أراضي القبائل الأمازيغية و إستحوذت على مناجم الفوسفاط ، الفضة و الحديد مما أدى إلى تجويع القبائل الأمازيغية . و تحركت فرنسا بكل وحشية و بدون أي ضمير أخلاقي و متجردة من مبادئ الثورة الفرنسية ، التي أسست للفكر الحقوقي العالمي ، إذ قامت بمعية التحالف الإمبريالي بإلقاء الأسلحة الكيماوية على أمازيغ الريف لإجهاض المقاومة الريفية بالشمال و إحراق الأطفال و النساء و الشيوخ و الدواب بًأرهاجً أي السلاح الكيماوي ، كما يسميه الريفيون ، ومباشرة بعد قضائها على مقاومة الخطابي بالريف إنتقلت بكل ثقلها إلى الأطلس و الجنوب الشرقي ، إلى أن تمكنت في سنة 1934 من السيطرة و إخضاع قبائل الأمازيغ الثائرة.
بعد هذا الإنتصار الفرنسي على إيمازيغن بالمغرب ، شرعت دولة الإحتلال بكل عجرفة إلى تدمير بنيات القبائل الأمازيغية و المؤسسات الحضارية للشعب الأمازيغي ، فأسست لمشروع دولة وطنية عقيدتها السياسية مناهضة الوجود الأمازيغي و محو الذاكرة الجماعية لإيمازيغن مقابل التبشير لفكرة القومية العربية داخل المغرب ، و إستغلالها سياسيا لطمس معالم الحضارة الأمازيغية و الإنتقام من إيمازيغن نتيجة دفاعهم عن كيانهم الوطني ، و هكذا روجت فرنسا ًللحلم العربيً بالمغرب ، وصنعت نخبة مدنية إنتهازية تربت في أحضان المستعمر لبلورة سياسة الإحتلال على المستوى الشعبي، فقامت هاته النخب بإستقبال شيوخ و دعاة القومية العربية بالشرق الأوسط بتنسيق مع المصالح الفرنسية . وعلى هذا الأساس هنأت النخب المدنية سلطات الإحتلال بقضائها على المقاومة الوطنية الأمازيغية و أيقضت الشموع في ضريح مولاي إدريس لتدعو لمجرم الحرب ليوطي بالشفاء و الحياة الأبدية ، وفي هذه الظرفية الحرجة تأسست بالمغرب أول تجربة حزبية إرتبطت بالمصالح الإستعمارية ، فروجت للقومية العربية و قرأت اللطيف في المساجد و الزوايا لإنقاذ إخوانهم البربر من شبح التنصير و من الكنيسة التي تتربص بهم لدعوتهم إلى دين المسيح ، هذه الدعاية السياسية المحكمة ، شكلت منطلقا أساسيا للنخب المدنية لفرض الوصايا على الشعب الأمازيغي و الهيمنة إديولوجيا على الشارع السياسي في أفق التدمير النهائي للأمازيغية . وتمكنت هاته النخب من فرض إديولوجيتها بحيث عملت على محاربة قيم الإعتدال و الوسطية التي تمثلها الزاوية في الذاكرة الجماعية ، وقامت بنشر المذهب الوهابي لمحو الخصوصية الأمازيغية والتي تعتبر في أدبيات الخطاب السلفي من بقايا عبادة الشرك و الأوثان ، وقامت هاته النخب أيضا بتنسيق مع فرنسا الإستعمارية بفرض التعريب القسري على المواطنين الأمازيغ ، بل قد قامت بتجنيد إيمازيغن و دفعهم لمحاربة ألمانيا و إيطاليا و الفيتنام أعداء فرنسا .
بعد إنقضاء أعمال السخرة بين السيد و أقنانه ، سلمت فرنسا مفاتيح المغرب لهاته النخب في إيكس ليبان لينال المغرب إستقلالا جزئيا و يستحوذ حزب الإستقلال على السلطة السياسية ، و أمام إنتفاضة إيمازيغن بالريف و الأطلس و الجنوب الشرقي ضد السياسة الفاشية لحزب الإستقلال ، الذي أقصى النخب الأمازيغية من المشاركة في تسيير شؤون البلاد ، و إستثنى الأمازيغية في المخططات الإستراتيجية للدولة المغربية و همش الجهات الأمازيغوفونية . ليتبين لإيمازيغن أن كل نضالاتهم و تضحياتهم من أجل الحرية و الإستقلال أعتبرت مجرد عمليات عسكرية مسلحة ، بينما سياسة أصحاب الطرابيش الحمراء القائمة على المراوغة و التبعية ، أعتبرت نضالا وطنيا توج بسيطرتهم على مراكز القرار ، نتيجة تأسيسهم للأحزاب و النقابات و الجمعيات ، فهيمنوا على الإعلام و المدرسة ، و الإقتصاد و التجارة ، و إستغلوا المساجد لتشويه خصومهم السياسيين .
و بعد تمكن القومية العربية و أحزابها بالمغرب من السيطرة التامة على البلاد ، إستفاق الأمازيغ من سبات عميق على واقع مر ، وذلك بعد أن دمرت حضارتهم و لغتهم و هويتهم الوطنية ، فعملوا على إحياء كيانهم الوطني ، و ذلك عبر النبش في الذاكرة و تأسيس الجمعيات المهتمة بالشأن الأمازيغي و أسسوا أيضا حركة طلابية تحت إسم mca تدافع عن القضايا العادلة للأمة الأمازيغية . هاته التحركات الأمازيغية جاءت لتصحيح الحالة الشاذة للهوية الوطنية المغربية ، و للمطالبة بالإعتراف الرسمي بالأمازيغية كلغة رسمية و ثقافة وطنية ، لكن كل هذه التحركات لم تؤدي بالقوى المحافضة بالإعتراف بالأمازيغية و دسترتها في الدساتير المغربية .
لكن بتغير المعادلة الوطنية و الإقليمية و الدولية ، فرضت واقعا جديدا يصب في مصلحة إيمازيغن فبسقوط الإتحاد السوفياتي إنهار المعسكر الشرقي ، ودخل العالم تحت النظام العالمي الجديد و الذي جعل من الدفاع عن الحقوق الثقافية و الهوياتية للشعوب المضطهدة أحد أهم مرتكزاته ، و بوصول محمد السادس إلى العرش و إعلانه عن خطاب أجدير الذي إعترف بالأمازيغية كمكون أساسي للهوية الوطنية . وقد شكل حدث تأسيس الحزب الديموقراطي الأمازيغي المغربي حدثا تاريخيا ، فلأول مرة في التاريخ الوطني سيقدم الأمازيغ على تأسيس حزب بمرجعية أمازيغية ديموقراطية حداثية ، يستهل من معين عصارة الفكر البشري ، و يطمح إلى مغرب فديرالي يؤمن بدولة الجهات و يعترف بالأمازيغية كلغة رسمية للدولة المغربية.
هذا البرنامج السياسي للحزب و الذي أعطى إجابات علمية للمشاكل العويصة التي تنخر المغرب أقلقت اللوبي العروبي و هددت مصالحه السياسية ، ليتعرض الحزب في سنة 2007 لقرار المنع من طرف وزارة الداخلية ، لكن بسقوط الأنظمة الطاغية بكل من تونس ليبيا مصر ، و بروز الصوت الأمازيغي بقوة بليبيا ، عجل بالمغرب إلى إعلانه بالإعتراف بالأمازيغية كلغة رسمية في دستوره المعدل في إنتظار القانون التنظيمي ، وذلك نتيجة مشاركة التنظيمات الأمازيغية في مظاهرات حركة 20 فبراير و أعلن المخزن أيضا عن الجهوية المتقدمة و التي سبق للحزب الديموقراطي الأمازيغي أن طرحها في برنامجه السياسي .
و الآن بعد مرور 100 سنة على الحماية ، الأمازيغ ينتظرون أجرأة ترسيم الأمازيغية و إنسحاب المغرب من الجامعة العربية ، و ذلك تفعيلا لمقتضيات الدستور المغربي ، و يطالب إيمازيغن أيضا بتنمية مناطقهم و تعويضهم عن سياسة التمييز اللغوي و أخطاء الماضي المرتكبة في حقهم . و إلى أن تتحقق هاته المطالب لا مناص على إيمازيغن إلا أن ينخرطوا في تأسيس أحزاب سياسية بمرجعية أمازيغية و الإنخراط في تدبير الشأن العام ، لأن سياسة الكرسي الفارغ أضاعت علينا هويتنا و لغتنا و فوتت علينا الفرصة لإختصار الطريق.
لقد مرت 100 سنة على توقيع معاهدة الحماية و تداعياتها السياسية و العسكرية و الثقافية على المغرب، و إنعكاساتها المستقبلية على الهوية الوطنية الأمازيغية ، و في ظل إنهيار كل الأطروحات الإديولوجية سليلة الإستعمار ، يبقى من الضروري ، الغوص في أعماق التاريخ لإستحضار الذاكرة الوطنية بأفراحها و أتراحها لفهم الماضي و إستحضار الحاضر و إستشراف المستقبل ، و بالتالي لابد من العودة إلى جذور التاريخ .
فالمغرب بإعتباره بلدا إفريقيا منفتحا على حوض البحر الأبيض المتوسط و مطلا على أروبا ، فشكل منذ فجر التاريخ هدفا للأطماع الإستعمارية ، ومع ظهور الإمبريالية الأروبية في القرن التاسع عشر شكل المغرب هدفا للأطماع الإستعمارية التوسعية و لتستغل فرنسا إنهزام المغرب في معركة إيسلي على الحدود الجزائرية و إنهزامه أيضا أمام إسبانيا في تطوان في منتصف القرن التاسع عشر ، هاته الإنهزامات العسكرية للمغرب أنهت مقولة الإستثناء المغربي و شجعت الدول الإمبريالية الضغط على المغرب من أجل تركيعه و فرضت عليه شروطا و معاهدات تفضي إلى التغلغل داخل المغرب و إستنزاف خيراته و خلق نخب عدة عميلة للإستعمار ، عرفت في التاريخ الوطني بالمحميين ، هاته الإستراتيجية الخطيرة ، إستنفرت القبائل الأمازيغية فإنطلقت المقاومة الوطنية لمجابهة المشروع الإستعماري فإنتفضت قبائل الريف بزعامة محمد أمزيان لإجهاض محاولات إسبانيا الإستعمارية للتوسع في الريف و إستغلال مناجه فحقق أمزيان إنتصارات كثيرة على المحتل الإسباني أهمها معركة إغزار ن أشن نواحي أيث نصار بالناظور ، إلا أن إسبانيا إستطاعت أن تقضي على مقاومته و ليستشهد في ساحة الوغى في سنة 1912 .
و مباشرة بعد إستشهاد الزعيم الوطني محمد أمزيان ، سارعت فرنسا بمعية عملائها على الضغط على سلطان مراكش ، فقام السلطان عبد الحفيظ بتوقيع معاهدة الحماية بفاس سنة 1912 ، حيث خولت لفرنسا إحتلال المنطقة الوسطى للمغرب ، ووقع السلطان أيضا معاهدة مدريد مع إسبانيا سنة 1912 و التي نصت على إحتلال الريف و أيت باعمران . و بعد توقيع معاهدة الحماية ، سارعت فرنسا بحماس كبير إلى تطبيق السياسة البربرية التي إتخذت منحى خطيرا ، حيث أصدرت فرنسا قانونا للتحفيظ العقاري سنة 1913 و بموجبه صادرت أراضي القبائل الأمازيغية و إستحوذت على مناجم الفوسفاط ، الفضة و الحديد مما أدى إلى تجويع القبائل الأمازيغية . و تحركت فرنسا بكل وحشية و بدون أي ضمير أخلاقي و متجردة من مبادئ الثورة الفرنسية ، التي أسست للفكر الحقوقي العالمي ، إذ قامت بمعية التحالف الإمبريالي بإلقاء الأسلحة الكيماوية على أمازيغ الريف لإجهاض المقاومة الريفية بالشمال و إحراق الأطفال و النساء و الشيوخ و الدواب بًأرهاجً أي السلاح الكيماوي ، كما يسميه الريفيون ، ومباشرة بعد قضائها على مقاومة الخطابي بالريف إنتقلت بكل ثقلها إلى الأطلس و الجنوب الشرقي ، إلى أن تمكنت في سنة 1934 من السيطرة و إخضاع قبائل الأمازيغ الثائرة.
بعد هذا الإنتصار الفرنسي على إيمازيغن بالمغرب ، شرعت دولة الإحتلال بكل عجرفة إلى تدمير بنيات القبائل الأمازيغية و المؤسسات الحضارية للشعب الأمازيغي ، فأسست لمشروع دولة وطنية عقيدتها السياسية مناهضة الوجود الأمازيغي و محو الذاكرة الجماعية لإيمازيغن مقابل التبشير لفكرة القومية العربية داخل المغرب ، و إستغلالها سياسيا لطمس معالم الحضارة الأمازيغية و الإنتقام من إيمازيغن نتيجة دفاعهم عن كيانهم الوطني ، و هكذا روجت فرنسا ًللحلم العربيً بالمغرب ، وصنعت نخبة مدنية إنتهازية تربت في أحضان المستعمر لبلورة سياسة الإحتلال على المستوى الشعبي، فقامت هاته النخب بإستقبال شيوخ و دعاة القومية العربية بالشرق الأوسط بتنسيق مع المصالح الفرنسية . وعلى هذا الأساس هنأت النخب المدنية سلطات الإحتلال بقضائها على المقاومة الوطنية الأمازيغية و أيقضت الشموع في ضريح مولاي إدريس لتدعو لمجرم الحرب ليوطي بالشفاء و الحياة الأبدية ، وفي هذه الظرفية الحرجة تأسست بالمغرب أول تجربة حزبية إرتبطت بالمصالح الإستعمارية ، فروجت للقومية العربية و قرأت اللطيف في المساجد و الزوايا لإنقاذ إخوانهم البربر من شبح التنصير و من الكنيسة التي تتربص بهم لدعوتهم إلى دين المسيح ، هذه الدعاية السياسية المحكمة ، شكلت منطلقا أساسيا للنخب المدنية لفرض الوصايا على الشعب الأمازيغي و الهيمنة إديولوجيا على الشارع السياسي في أفق التدمير النهائي للأمازيغية . وتمكنت هاته النخب من فرض إديولوجيتها بحيث عملت على محاربة قيم الإعتدال و الوسطية التي تمثلها الزاوية في الذاكرة الجماعية ، وقامت بنشر المذهب الوهابي لمحو الخصوصية الأمازيغية والتي تعتبر في أدبيات الخطاب السلفي من بقايا عبادة الشرك و الأوثان ، وقامت هاته النخب أيضا بتنسيق مع فرنسا الإستعمارية بفرض التعريب القسري على المواطنين الأمازيغ ، بل قد قامت بتجنيد إيمازيغن و دفعهم لمحاربة ألمانيا و إيطاليا و الفيتنام أعداء فرنسا .
بعد إنقضاء أعمال السخرة بين السيد و أقنانه ، سلمت فرنسا مفاتيح المغرب لهاته النخب في إيكس ليبان لينال المغرب إستقلالا جزئيا و يستحوذ حزب الإستقلال على السلطة السياسية ، و أمام إنتفاضة إيمازيغن بالريف و الأطلس و الجنوب الشرقي ضد السياسة الفاشية لحزب الإستقلال ، الذي أقصى النخب الأمازيغية من المشاركة في تسيير شؤون البلاد ، و إستثنى الأمازيغية في المخططات الإستراتيجية للدولة المغربية و همش الجهات الأمازيغوفونية . ليتبين لإيمازيغن أن كل نضالاتهم و تضحياتهم من أجل الحرية و الإستقلال أعتبرت مجرد عمليات عسكرية مسلحة ، بينما سياسة أصحاب الطرابيش الحمراء القائمة على المراوغة و التبعية ، أعتبرت نضالا وطنيا توج بسيطرتهم على مراكز القرار ، نتيجة تأسيسهم للأحزاب و النقابات و الجمعيات ، فهيمنوا على الإعلام و المدرسة ، و الإقتصاد و التجارة ، و إستغلوا المساجد لتشويه خصومهم السياسيين .
و بعد تمكن القومية العربية و أحزابها بالمغرب من السيطرة التامة على البلاد ، إستفاق الأمازيغ من سبات عميق على واقع مر ، وذلك بعد أن دمرت حضارتهم و لغتهم و هويتهم الوطنية ، فعملوا على إحياء كيانهم الوطني ، و ذلك عبر النبش في الذاكرة و تأسيس الجمعيات المهتمة بالشأن الأمازيغي و أسسوا أيضا حركة طلابية تحت إسم mca تدافع عن القضايا العادلة للأمة الأمازيغية . هاته التحركات الأمازيغية جاءت لتصحيح الحالة الشاذة للهوية الوطنية المغربية ، و للمطالبة بالإعتراف الرسمي بالأمازيغية كلغة رسمية و ثقافة وطنية ، لكن كل هذه التحركات لم تؤدي بالقوى المحافضة بالإعتراف بالأمازيغية و دسترتها في الدساتير المغربية .
لكن بتغير المعادلة الوطنية و الإقليمية و الدولية ، فرضت واقعا جديدا يصب في مصلحة إيمازيغن فبسقوط الإتحاد السوفياتي إنهار المعسكر الشرقي ، ودخل العالم تحت النظام العالمي الجديد و الذي جعل من الدفاع عن الحقوق الثقافية و الهوياتية للشعوب المضطهدة أحد أهم مرتكزاته ، و بوصول محمد السادس إلى العرش و إعلانه عن خطاب أجدير الذي إعترف بالأمازيغية كمكون أساسي للهوية الوطنية . وقد شكل حدث تأسيس الحزب الديموقراطي الأمازيغي المغربي حدثا تاريخيا ، فلأول مرة في التاريخ الوطني سيقدم الأمازيغ على تأسيس حزب بمرجعية أمازيغية ديموقراطية حداثية ، يستهل من معين عصارة الفكر البشري ، و يطمح إلى مغرب فديرالي يؤمن بدولة الجهات و يعترف بالأمازيغية كلغة رسمية للدولة المغربية.
هذا البرنامج السياسي للحزب و الذي أعطى إجابات علمية للمشاكل العويصة التي تنخر المغرب أقلقت اللوبي العروبي و هددت مصالحه السياسية ، ليتعرض الحزب في سنة 2007 لقرار المنع من طرف وزارة الداخلية ، لكن بسقوط الأنظمة الطاغية بكل من تونس ليبيا مصر ، و بروز الصوت الأمازيغي بقوة بليبيا ، عجل بالمغرب إلى إعلانه بالإعتراف بالأمازيغية كلغة رسمية في دستوره المعدل في إنتظار القانون التنظيمي ، وذلك نتيجة مشاركة التنظيمات الأمازيغية في مظاهرات حركة 20 فبراير و أعلن المخزن أيضا عن الجهوية المتقدمة و التي سبق للحزب الديموقراطي الأمازيغي أن طرحها في برنامجه السياسي .
و الآن بعد مرور 100 سنة على الحماية ، الأمازيغ ينتظرون أجرأة ترسيم الأمازيغية و إنسحاب المغرب من الجامعة العربية ، و ذلك تفعيلا لمقتضيات الدستور المغربي ، و يطالب إيمازيغن أيضا بتنمية مناطقهم و تعويضهم عن سياسة التمييز اللغوي و أخطاء الماضي المرتكبة في حقهم . و إلى أن تتحقق هاته المطالب لا مناص على إيمازيغن إلا أن ينخرطوا في تأسيس أحزاب سياسية بمرجعية أمازيغية و الإنخراط في تدبير الشأن العام ، لأن سياسة الكرسي الفارغ أضاعت علينا هويتنا و لغتنا و فوتت علينا الفرصة لإختصار الطريق.
مرحبا برشيد نيني بيننا مجددا، يا فارس زمانك خذ القلم بقوة
بقلم: بدر أعراب
ساعات قليلة هي كل ما يفصلنا عن لحظة الإفراج عن صاحب أشهر عمود صحفي على الإطلاق بالمغرب، الصحافي والأديب غزير الكتابة رشيد نيني، لإطلاق سراحه ومعانقته حريته من جديد، بعد أن يكون قد أمضى حولا كاملا بين جدران باردة، خلف قضبان سجن عكاشة المعروف، محروما من ممارسة أبسط حقوقه، متمثلا في في حرمانه من الإتيان على فعل إنساني راق يستهويه حدّ الافتتان هو عشقه الأبدي للكتابة التي يحيى من خلالها ولا شيء يحترفه سواها، على غرار العديد من أشقائه في الرضاعة من ثدي هموم الكلمة والإبداع، وعام كامل مطوق بين أربع جدران بلا نافذة في غياهب السجن ليس كمثله ممّا تعدون في حياة سجننا الكبير هذا الفسيح المفتوح على الهواء الطلق، كما يروي من عاش التجربة ذاتها، يتبادر إلى أذهان الكثيرين مجموعة من الأسئلة، قد تأخذ بعضها حيزا هامّا من الاهتمام لدى شريحة واسعة من القراء، خصوصا أولئك الذين يجدون ضالتهم في ركن شوف تشوف، وأدمنوا قراءته باستمرار، كل صباح، معية أول رشفة من فنجان قهوتهم الأولى التي يبتدئون بها نهاراتهم، قبل التوّجه رأسا إلى مقرات عملهم.
وعلى ذكر قراء رشيد نيني، فهم كثر ولا حاجة بنا لإسقاط الضوء عليهم وتعدادهم، فقد أنابت بذلك عنّا الدراسات البحثية التي تناولت بإسهاب هذا الشق من مختلف الزوايا والقراأت التفسيرية، حول ظاهرة اكتساح عمود "شوف تشوف" قلوب القراء المغاربة أجمع، ولمن يهمّه المزيد من التقصّي في هذا الصدد أحيله على المحرك الالكتروني الحاج غوغل، بحيث تكفي نقرة خفيفة على لوحة الأزرار لتقفز في الشاشة أمامه قوائم طويلة من عناوين البحوث المنجزة بشأن الجماهير الغفيرة المعجبة بالركن المعلوم.
وفعلا، لعل أول سؤال يمور في خلد هؤلاء، ولو من باب الوفاء للذكرى الجميلة الراسخة في وجدان الذاكرة المشتركة بين عموم قرائه الأوفياء، هو ذاك الذي يتعلق بمسألة عودة رشيد نيني للكتابة الصحفية من عدمها، فبما أن الجواب الذي يقطع أوصال الشك، مكتوب بالنبط العريض، ربما إمعانا في تأكيد حتمية عودته مجددا، غداة انبعاثه من مرقده كطائر الفينيق، بارزا على متن النافذة التي دأب نيني أن يطل علينا من خلالها بطلاته الأنيقة كل صباح، بعد طلائها بالأسود القاتم حدادا على مصادرة حرية الكلمة والزج بها في صمت الزنازن، فإن السؤال الأكثر إلحاحا اليوم لدى قراء الصحف المغاربة في اعتقادي هو كيف سيكون أول مقال سيخطه نيني للخروج به إلى نور النشر مستهلا بذلك استئناف مشواره، عقب عودة طالما انتظرها الجميع وعدّدوا بشأنها الأيام والشهور تبعا للعداد اليومي الذي حلّ محل صورة نيني بمانشيت الصفحة الأولى لجريدة المساء الغراء، دون أن يبرح مكانه إلى الآن.
لا شك أن جلّ المتتبعين القدامى والجدد لكتابات رشيد نيني الصاروخية التي يطلقها من منصة قاعدة الإطلاق "شوف تشوف"، مصوبّا عن بُعد اتجاهات رؤوس أقلامها بتركيز، نحو بؤر الفساد أينما وجدت، لإصابة رؤوسها اليانعة في مقتل، هُم على عجل من الأمر لقراءة أولى القصفات النارية التي عوّدنا صاحبها على طلقها مدوية، بواسطة قلمه الذي يدخل به، ضد البشاعة، أشرس الحروب ضراوة، منافحا بأعلى ما في الصوت من صوت وبلغة عربية فاخرة، لجعل الصرخة في مستوى الوجع، حتى تكون مساحة الأمل أكبر وأوسع، فيما مساحة اليأس أدنى وأقل.
إن رشيد نيني بحوزته سلاحا متطورا خطيرا مع حيازته شهادة التصريح العام بحقه في امتلاكه، مخولة له من لدن الشعب ومصادق عليها من قبل العدو والصديق على حد سواء، تمّ منحه إياها عن جدارة واستحقاق لأنه آهل لثقة المغاربة و ذو يد "ذكية" يعرف كيف يحسن استخدام قلمه أو بالأحرى مسدسه كاتم الصوت الذي لا يخطئ هدفه، عبر طلقات ليست شاردة كالعشوائيات الأخرى التي سرعان ما يخبو رصاصها فور اصطدامه بأقرب جدار سميك. ولأن كتاباته ليست مثل المفرقعات الكرتونية كتلك التي كان صبيان جيل الثمانينات يلهون بها أيام الأعياد ورأس كل سنة، لا تُحدث دوّيا حقيقيا بما يكفي لإثارة الفزع بل كلّ ما تخلفه سوى "طرطقة" كفقاعات العلكة تماما.
ودفعا لشماتة البالونات، إن الرقم العددي الذي من المفترض أن يكون رشيد قد حمله فوق قميصه داخل السجن الذي أودع في أرجاء ليله الدامس على حين غرة، بتهمة جاهزة ما فتئت أن تحركت الأصابع خفية وراء ستار المحكمة، لإعادة غزل خيوطها ونسجها وفق المقاس، هو بالنسبة إلى الجميع لا يعّد مجرد رقم إحصائي بارد على غرار ألاف الأرقام المماثلة، بل يعتبر بمثابة وسام فخر فوق صدره هيهات أن يؤتى بهكذا وسام من داخل أسوار السجن في زمن قد ولت فيه أيام تطاحن الرفاق والإيديولوجيات والعسكر بلا رجعة.
إني لست خبيرا في حيثيات القانون الذي تمّ بموجبه أمر النيابة العامة إيقاف النيني بغية إيداعه السجن، لكن أعي جيدا أن هامش حرية التعبير وحرية ممارسة الصحافة في بلدان الناس تخطّى في عمومه، كل حدود قوانين الردع البدائية كالتي عندنا وتجاوز كل رموز الصّم والبكم كلغة رسمية لدول القروسطى وكلّ إشارات الضوء الحمراء المستنبتة بوفرة على نحو شبيه بالفطريات، على درب الصحافة ببلدنا.
ختاما، ومن منطلق ردّ ولو بعض الجميل لصاحبه، دعون نكتب ترحيبا برشيد نيني، قائلين له خُذ لك بعضا من الوقت لاستعادة الشعور بحريتك بالكامل، فنحن قراؤك ما زلنا على العهد أوفياء لكتاباتك وفي إنتظارك، وبعدها يا رشيد اسحب قلمك من غمده، خذه بقوة والتحق بالصفوف يا فارس زمانه، والحمد لله على سلامتك مقدما
الأكثر مشاهدة
narrowsidebarads
|
*جميع المقالات والمواضيع والتعاليق المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية | |||
المشاركات الشائعة
-
ريف بلوس - و م ع : أفاد الديوان الوطني الجزائري للإحصائيات بأن وتيرة التضخم السنوي في الجزائر بلغت 4ر6 في المائة في متم شهر أبريل الماض...
-
ريف بلوس - و م ع : أعلن أمس الثلاثاء بالدار البيضاء٬ عن تنظيم الدورة الأولى لمعرض التجارة الإلكترونية من 30 ماي الجاري إلى فاتح يونيو الق...
-
ريف بلوس/ ناظور سيتي : إيذانا لبداية أسبوع حافل بالنضال والاحتجاج تجاه التماطل في تحقيق مطالبهم العادلة والمشروعة، خرج الطلبة المعطلون بالنا...
-
أعلنت وزارة التجهيز والنقل عن تمديد الجدول الزمني الذي وضعته من أجل تجديد جميع رخص السياقة على الحامل الورقي مقابل رخص السياقة على الحامل ...
-
تدخل المستشار البرلماني يحيى يحيى، رئيس بلدية بني انصار الكائنة على بعد 12 كيلومترا من مدينة النّأظور، لثني شاب عن إحر...
-
ريف بلوس - و م ع انهزم المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم أمام نظيره السنغالي بهدف للاشيء٬ في المباراة الودية التي جمعت بينهما مساء أمس ا...
-
أخبار سعيدة للمغرمين بالأطعمة المقلية. فقد اكتشف باحثون في إسبانيا أن الطهي بزيت الزيتون أو دوار الشمس لا يزيد من مخاطر الإصابة بأمراض الق...
-
ريف بلوس : بشرى الزناري ، شابة مغربية من مواليد سنة 1982 حلت بالجمهورية الليبية قبل ايام بغرض متابعة الدراسة في مؤسسة للطيران ، والالتحا...
-
انت تلعب الان لعبة العاب سيارات 2012 لعبة نيد فورسبيد في قسم العاب سيارات من العاب حوت
-
تعرض اليوم الأربعاء صباحا موقع ريف سيتي للقرصنة لمديرها الزميل الصحفي الشاب عبدالكريم الدهري و السبب في ذلك راجع حسب تصريح مدير الموق...
أحدث موضوع
المدونة على الفيس بوك
أقسام مهمة
بحث
إجمالي مرات مشاهدة الصفحة
بحث هذه المدونة الإلكترونية
انضم معنا
المتابعون
فيديو الأسبوع
فيديو اليوم
سياسة
أحدث التعليقات
تعليقات الزوار
لتصفح أفضل










